ادبيات

رحلة فارس الفنون الشعبية الفنان التشكيلي المتمرد رفيق شرف (الحلقة الثالثة والأخيرة)- كارينا أبو نعيم

كارينا ابو نعيم


في أوائل السبعينيات من القرن المنصرم، كان رسامنا منصرفًا إلى حكايات “عنترة وعبلة” وغيرهما من أبطال الفن الشعبي. يصيغ بريشته الرؤية الحديثة لهذا النمط من الفن الشعبي المنسي.
وبينما هو غارقٌ في قصص أبطاله تحول فجأةً إلى رسم السهول التي استلهمها من ذاكرته الطفولية في مدينة بعلبك لما كانت عليه من جمال قبل أن تجتاحها كتل الباطون المسلح البشع. فقد رسم السهل الصامت حيث لا حركة فيه إلا صمت المدى وطير في الأعالي وسحابة عابرة.
جاءت هذه المرحلة التي عُرفت “بمرحلة السهول” في خضم معركته مع “مرحلة عنترة” ومعاركها البطولية، جاءت لتعلمه الهدوء والسلام وعدم الاستسلام لمزاج “عنترة” وعبثيات كل البطولات في التاريخ، كأن رفيق شرف في ذلك التناقض يعيش ازدواجية الأسلوب. لكنه في الحقيقة، أراد أن يوحي بأنه مع “عنترة”، لم يغرق في أمجاد الماضي وأنه لا يزال يتعامل مع الواقع بكل ما فيه.
تلت تلك الفترة، “مرحلة الطلاسم” التي استعمل فيها رفيق شرف تقنياتٍ مختلفة ومواد من الورق والخشب وصولاً لاستخدامه الحديد في رحلة تجريبٍ جريئةٍ مع المواد بحثاً عن التجديد المستمر.
في “مرحلة عنترة”، شكل “عنترة” وحصانه وعوالمه مع “عبلة”، أبطال لوحاته الجديدة.استلهم صورة البطل الشعبي المرموزة بـ”عنترة” و”عبلة” لشعبيتها الواسعة وانتشارها الكبير في العالم العربي. ولدت هذه المرحلة بعد حرب حزيران 1967 التي عُرفت بحرب “النكسة”. جاءت في زمن إحباطٍ ضرب العالم العربي ووجدانه وروحه.
في هذه المرحلة، بدأ رفيق شرف كتابة نصوص شعرية ذات ملامح شرقية عن الفارس والبطل. وواظب على نشرها في ذلك الحين في ملحق جريدة “الأنوار”.
لم يكن رفيق شرف فنانًا ورسامًا وحسب، بل كان صاحب قضية ومبدأ و منظور فلسفي وفكري وحضاري. حاول أن يطرح أفكاره من خلال خطوطه وألوانه ومواضيعه. إنه صاحب نظريات ثقافية تحديثية. لذلك طرح رفيق شرف ضمن لوحاته مواضيع مختلفة طالباً من خلالها تسليط الأضواء على مواقع الضعف والتخلف، وطامعاً إلى رفع مستوى الثقافة في بيئته. فقد اختار مواضيع بسيطة وأشخاصًا معروفين لدى جميع الطبقات الإجتماعية والثقافية. لم يستسلم عندما بليت الشعوب العربية بالنكسه عام 1967. بل أشهر سيف عنترة، هذا البطل المقدام، الخارج من الحكايات الشعبية، ليرفع رأس العرب عالياً وليقول لهم لا للإستسلام.
وبذلك بعث رفيق شرف أسطورة “عنترة” من جديد عبر العشرات من لوحاته الفنية. لم يرسم عنترة وحصانه فقط، بل طرح قضية المرأة نصف المجتمع الثاني إلى جانب الرجل. فهو لم يرها ناقصة، بل كانت في لوحاته حاضرة إلى جانب الرجل تسانده وتتساوى معه في الحقوق والواجبات.
استحضار الماضي في موضوعات رفيق شرف، هو استحضارٌ للقيم الحضارية والرمز الذي حاول فنانا أن يطرحه من خلاله قضية الارث الحضاري والثقافي الموجود في ثقافتنا. فلماذا لا ننفض عنه الغبار ونعطيه انطلاقة جديدة لتطوير فكرنا وثقافتنا؟
وكما رأينا، أعطى رفيق شرف لكل مرحلةٍ من أعماله الفنية عنواناً عريضاً. فقد أكمل رحلته الفنية ليتوّجها بمرحلة “الأيقونة”. في هذه المرحلة، كانت الحرب الطائفية في لبنان على أشدها مما يجعل طرحه لهذه المرحلة مدوياً. حاول في “مرحلة الأيقونة” أن يخاطب الناس على أنهم ملائكة وعليهم التصرف على هذا الاساس. تغافل رفيق شرف أن هؤلاء هم بشر وليسوا ملائكة، وأن خطابه جاء في وقتٍ صعبٍ لكنه استطاع ان يقول ما يريد . فهو يرى لبنان كطائرٍ ذي جناحين، ومن الطبيعي أن لا يطير بجناح واحد. كان هذا النداء الروحي والصوفي الرفيع المستوى رسالة الفنان وجّه هذه الدعوة إلى جميع اللبنانيين دون استثناء في زمن الحرب البغيضة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »