ادبيات

عاشقه الراديو_ كارينا أبو نعيم

كارينا ابو نعيم


تهرب “ولاء” كلّ ليلةٍ وتنسلّ تحت لحافها بعد أن تكون قد سرقت جهاز الراديو الخاص بجدها “أبو نبيلٍ” الذي وصله كهديةٍ من ابنته، والدة ولاءٍ، المهاجرة مع زوجها إلى أميركا منذ سنواتٍ.
أدركت “ولاء” منذ اللحظة الأولى أن هذه الهدية الثمينة مرسلةٌ إليها، ولم تكن لجدها في الأساس. هكذا اعتقدت وآمنت وعلى هذا الأساس تصرفت.
لم تكن تمضي ليلة واحدة من هذا الشتاء القارس دون أن ينام الراديو الصغير بين أحضانها. تدير بأصابعها مفتاحه المعدني البارد لتضبط موجة إذاعتها المفضلة. إنها العاشرة ليلاً موعد الحلقة الجديدة من برنامجها المفضل. لا تدري السبب الكامن وراء تعلقها بهذا المسلسل الإذاعي الذي يقدم كل ليلةٍ قصة رعبٍ مخيفةٍ على مدى ساعتين متواصلتين، فقد أسرها منذ الحلقة الأولى. وعند سماع إشارة بدء البرنامج يخفق قلبها كأنها تنتظر حبيبها في موعد غرامي.
تنطلق إشارة البداية ويصدح صوت “هاني” بطل كل الحلقات، من المذياع معلناً:”إنها العاشرة ليلاً….استيقظوا أيها الأشرار….حان وقت التسلية …هاهاهاهاهاهاهاهاهاها…”
ترتعش “ولاء” حين تسمع صوت حبيبها الخيالي “هاني” وتحضن الراديو بين ذراعيها ،وتلقي برأسها على الوسادة، وتغرق في تفاصيل الحكاية المرعبة، منتشية ومنفصلة عن واقعها.
كيف لمراهقة ترعرعت في كنف جدّيها ورُميت في هذه البقعة النائية في قرية بعيدة لا تعرف الدفء، ولا تزورها شمس الصيف، كيف لها أن لا تغرق في بئر الظلام هذا؟
في قلبها ظلالٌ سوداء تتوسع سنة بعد سنة. لم ترى والديّها منذ أن تركوها هنا في بيت جدها، طفلة صغيرة لم تتجازو الرابعة من عمرها. تتذكر جيداً تلك اللحظات الموجعة. “وكيف للألم أن يُنسى؟” قالت هامسة، وتنهدت بحصرة، ونظرت نحو هذا الجسم البارد المركون ،مثلها، في زاوية السرير ينتظر لمسة دافئة، لتدب الحياة فيه من جديد.
حين تداهمها الأفكار، كانت تلجأ الى الكتابة على دفتر مذكرات أرسلتها لها والدتها في عيد ميلادها حين بلغت الخامسة عشرة من عمرها، انتقته لها بعناية شديدة ويتضمن أشهر الشخصيات المحببة لدى المراهقين في العالم، وهو باهظ الثمن. رافق الهدية الثمينة رسالة تتضمن مجدداً الكثير من الخذلان والتخلي. كتبت ولاء على الصفحة الأولى من “دفتر الأحزان”، كما اطلقت عليه:” أتذكر تلك اللحظات في تفاصيلها .كيف للألم أن يُنسى؟ بقيت ليالي وأيام اتساءل لماذا ولدتُ هنا ولم اختر المجيء، ورغم ذلك، أتيتُ وعند أول محطه تركوني وهجروني ورموا بي وحيدة عند جدي وجدتي العجوزين.”
يُعيدها صوت بطلها “هاني” بعد أن يُعلن انتصاره على الأشرار في حلقة هذه الليلة، يُعيدها الى الواقع . كم تمنت أن تلتقي بـ”هاني” ، إنه الشخص الوحيد الذي يخفف من عويل غضبها. تتجرع كل ليلة “حلقة الرعب” هذه كأنه ادمان تملك روحها وجسدها.
في ليال كثيرة يغلبها النعاس وهي حاضنة الراديو بين ذراعيها. ويسعفها الحظ في كل مرة فتستيقظ قبل جدها وتنسل من غرفتها وتعيد الراديو إلى الخزانة الخشبية المزخرفة بأوراق العريش وحبات عناقيد العنب المحفورة بأنامل حرفية عالية الجودة والإتقان. هذه الطاولة لم يستخدمها أحد منذ عقود، ولم تستقبل كراسيها أي من الضيوف الذين اعتادوا على “جمعة” كل أسبوع في منزل “أم نبيل” و”أبو نبيل”. لسوء الحظ، لم تشهد “ولاء” هذه الأيام المجيدة التي كانت عامرة بالأفراح والتجمعات العائلية المسائية وصرخات الأطفال وضحكات الكبار والألحان التي كانت تصدح من مذياع جدها القديم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »